تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

274

نظرية المعرفة

ولكن الروحيات الخبيثة والطيبة ليست حصيلة العمل وحده ، بل للإنسان منذ ولادته إلى أن يدرج في كفنه ، ملكات عامة وفطريات سالمة ، توجد بوجوده ، وتنشأ وتترعرع معه ، وهي تتلخص في تلك الأبعاد العامة الّتي تقدمت إليها الإشارة . فكان غلو هؤلاء في مجال العمل نتيجةً حتمية لإنكارهم الروحيات الفطرية المختمرة في وجود الإنسان . فالإنسان الفطري هو الإنسان الّذي حافظ على فطرته ، ويمشي في حياته على ضوئها . ومن مشى على خلاف ما تقتضيه فطرته ، فقد مسخ إنسانيته . فالحياة القائمة على الكذب والخداع ، والظلم والإفساد ، بل التجرّد والعزوبية ، حياة مخالفة لما تطلبه الفطرة الإنسانية . وقس على ذلك كل طارئ في حياة الإنسان ، فهو إمّا على خطّ الفطرة أو منحرف عنه . وأخيراً نقول : إنّ الوجوديين لاحقاً - حرصاً على حفظ الحرية - أنكروا الفطريات والأبعاد الروحية الثابتة في وجدان الإنسان منذ وجوده على هذه البسيطة . وكأنّهم زعموا أنّ هذه الفطريات سوائق تدفعه إلى جانب خاص ، وهذا ينافي حرية الإنسان وكون شخصيته وذاتياته نتيجة العمل . ولكن خفي على أولئك أنّ للإنسان ماهيات عامة وخاصة . فالأُولى هي الماهيات المشتركة بين جميع أفراد الإنسان ، سواء أفسرناها بالحيوان الناطق أم بما ينضم إليه من الأبعاد الروحية العامة الّتي كشف عنها علماء النفس وقررها الدين باسم الفطرة ، ولا يشذّ إنسان عنها أبداً ، فإنّ كل فرد مذ يفتح عينيه على الحياة ، يمتلك هذه الصفات العامة ، ولا تزال تتكامل يوماً فيوماً . وأمّا الماهيات الخاصة فهي الملكات والروحيات الّتي يكتسبها الإنسان عن طريق العمل ، حسب دءوبه وتمرّسه ، فتحصل في نفسه ملكات لم تكن موجودة يوم جاء إلى الحياة . فالوجوديون الذين يذهبون إلى أنّ وجود الإنسان خالٍ - مُذْ ولد - من كل حدّ وقيد ، وأنّه إنّما يكتسب هذه القيود بالعمل ، خفيت عنهم الماهيات العامة وحسبوا أنّ الإنسان ذو بُعد واحد فحسب ، هو ما يكتسبه من روحيات وملكات ، في حين أنّها تشكل بُعداً واحداً هو الماهيات الخاصة ، ووراءها ماهيات عامّة غير